عودة إلى المدونة

مزيدًا من العبقرية الجماعية!

لا ريب أن لحظات الإدراك الفردية كان لها بالغ الأثر في التطور العلمي الذي شهده العالم، تمامًا كلحظة الحقيقة التي عاشها آينشتاين متأملاً عقارب الساعة ومتفكرًا في سرعة الضوء تلك اللحظة التي قادته إلى إدراك النظرية النسبية التي تعد من أعظم اكتشافات العقل البشري.

ولكن هذا لا يعني أن تعتمد المنظمات على العبقرية الفردية في انتظار شعلة إلهام أو لحظة حقيقة من فرد ما. إن ما يصنع الفارق هو ذلك التمازج الفاخر بين العبقريات المتمايزة والمتكاملة. الدهشة التي أصابت آينشتاين لم تكن هي المحرك الوحيد للابتكار البشري إنما تمكين العقول من المشاركة في خلق الابتكار هي بالفعل ما يصنع التغيير. إن الابتكار الذي تسعى إليه المنظمات ليس ابتكارًا تقدح شعلته بومضة إلهام فردي (Inspiration Flash) فحسب، إنما هو أبعد من ذلك، هو ذلك الابتكار المتمازج والمتكامل الذي تنتجه العقول المشتركة.

الابتكار وبيئة العمل
الابتكار في المنظمات يتجلى حينما تكون منظومة العمل مُمكِّنة ولا تركز على قياس الأداء الفردي بقدر ما تتملكها الرغبة الجادة بتمكين الآخرين من الابتكار والمساهمة في تشكيل التوجه المؤسسي وبالتالي تحقيق المؤشرات المستهدفة. إن قدرة الفرد على العطاء ضمن سياق مهني متين هي بالفعل ما يمهد الطريق لنشوء ابتكارات مميزة.

الابتكار والأداء
لم تعد قولبة الأدوار في توصيفات وظيفية محددة كافيًا لضمان الأداء الجيد، إن الإيمان الحقيقي بتنوع المواهب ضمن الدور الواحد وتمايز القدرات في صف المهارة الواحدة ينبئ عن تواجد بيئة ابتكار خصبة. إن الديناميكية المُوجَهة في بيئات القطاع الخاص تخلق فرصًا خلابة للابتكار وتشكّل بيئة مهنية غنية تشجع رعاية ودعم الابتكار. كما أن الإصرار على أسلوب الأداء المُمنهج (Systematic Approach) والتمسك التام بالصلاحيات دون النظر في القيمة التي قد تجنيها المنظمة من تدوير هذه الصلاحيات سيفوّت على الكثير فرصة الابتكار التشاركي.

الابتكار والجودة
كيف ستؤثر هذه الديناميكية على أداء ورضا الأفراد؟ وبالتالي جودة الأداء؟ أصبح من الواضح جدًا أن الرضا المهني له بالغ الأهمية في مقابل الرضا الوظيفي. أي أن الرضا يكمن في تعزيز النمو المهني وليس فقط في تطور السلم الوظيفي. العمل الجاد والدؤوب على صقل القدرة المهنية هو ما يحقق الرضا المهني بغض النظر عن الوظيفة التي يشغلها الفرد. لابد من العمل بوعي على صناعة الذات كمورد بشري فريد في سوق العمل، ورفع مستوى الاستعداد والتهيؤ للتكامل مع القدرات المتمايزة الأخرى لتسريع عجلة التنمية.

السياق المهني
ليس من الفطنة أن تعمل على صقل مهاراتك التخصصية فقط بمعزل عن السياق المهني، وليس من الذكاء أن تركن إلى ذكائك العقلي / المهاري مهما بلغت حدته، بل اعمل على تطوير الذاكاءات المتعددة (الذكاء العاطفي، الذكاء الاجتماعي، … وغيرها ) وذلك من خلال التكامل التام والفطن مع مختلف مكونات السياق المهني، من أقران، وقادة، وشركاء ومختلف الجهات ذات العلاقة. ولا ريب أن التفاف فرق متمايزة القدرات والمواهب في انسجام رفيع، يخلق منظومة أداء فريدة يقودها الذكاء الجمعي.

الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence)
إن الوعي بالذات والقدرة على إدارة العواطف بل وتمييز عواطف الآخرين يولد لدى الفرد قوة تمكنه من تحقيق التغيير الذي يطمح إليه. إن العمل بمعزل تام عن العواطف قد يفوت عليك فرصًا عظيمةً للتغيير والتأثير. ولا يعني ذلك الانغماس في قراءة العواطف بقدر ما يعني التنبه التام لتأثير العاطفة على الاستجابة، وبالتالي منظومة الأداء الجماعي.

العبقرية الجماعية (Collective Genius)
والآن ننتقل إلى ليندا في حديثها عن “العبقرية الجماعية”، فقد ذكرت أسلوب استديوهات (Pixar) في إنتاج الأفلام، حيث اعتاد فريق العمل في الإستديوهات إلى خوض دورات متكررة (iterations) للمرحلة الواحدة حتى يتم الوصول للمخرجات النهائية، ليس لشيء إلا لتبقى الأذهان متأهبة لاستقبال أي لمسة عبقرية من أي فرد في الفريق. وهذا ما يمكن وصفه بالأسلوب الرشيق (Agile) والذي يعد أحد المنهجيات الحديثة لإدارة المشاريع. كما تصف ليندا الابتكار (Innovation) بأنه رحلة مستمرة، وهو في جوهره أحد تجليات أسلوب حل المشكلات الجماعي (Collective Problem Solving) بين أفراد ذوو خبراتٍ ووجهات نظرٍ متمايزة.

مقومات الابتكار
يمكن أن نصف المنظمات التي تمتاز بمستوى عال من مقومات العبقرية الجماعية بأنها منظمات ذات بنية ديناميكية مرنة ومتجددة، تتكيف بامتياز مع كافة الظروف بل وتكيِّف الظروف لتعزيز النماء المهني للأفراد وزيادة فرص الابتكار.

ذكرت ليندا ثلاثُ مقوماتٍ تنبئ بجاهزية المنظمات لرعاية الابتكار:

أولاً: الاحتكاك الإبداعي (Creative Abrasion)
وهو ذلك الاحتكاك الذي ينتج عنه سيل من الأفكار، ليس من خلال العصف الذهني القائم على عرض الأفكار فقط، بل من خلال النقاشات الحادة والساخنة التي تتلاقى فيها وجهات النظر والتي تقود إلى العمل بمنهجية حل المشكلات التشاركية (Collaborative Problem Solving).

ثانيًا: الرشاقة الإبداعية (Creative Agility)
وهي القدرة على اختبار وتحسين سيل الأفكار بالتطبيق الفطن في واقع العمل بهدف التعلم المبني على الاستكشاف (Discovery Driven Learning). فلا مانع من المضي قدمًا في دورات متكررة للعملية الواحدة بهدف تحسين الأداء وتعزيز جودة المخرجات.

ثالثًا: القرار الإبداعي (Creative Resolution)
وهي القدرة على الكشف عن الموهبة والشغف لدى كل فرد وتشجيع استخدامها كأحد المدخلات الهامة في صناعة اتخاذ القرار. حيث تصبح قيادة الابتكار أشبه بالهندسة الاجتماعية (Social Architecture) لمجتمع مهني متيقظ الكل قادر فيه على مشاركة وممازجة إمكانياته ومواهبه.

وأخيرًا، فإن الفرد مهما كانت مقومات بيئته المهنية، قادرٌ على استلهام الأفكار واشتقاق الحلول واستكشاف الفرص من السياق المهني الذي يعمل فيه مع الإشادة بفخر لكل من ألهمه بفكرة، ولكل من جادل بعقلانية، ولكل من آمن بأن (رأيه خطأ يحتمل الصواب ورأي غيره صواب يحتمل الخطأ) . وليست القوة في الركون إلى الذات والانعزال عن السياق المهني، فما أيسر ذلك، إنما القوة هي التخلي عن الأنا والاندماج الفعال مع الجمع، ولا تنسَ أن (المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وَأحَبُ إِلى اللّهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيفِ) .

“None of us is as good as all of us” Ray Kroc

يارا الحيدري

بتصرف من:

Collective Genius by Linda A. Hill et all

Available at: https://collectivegeniusbook.com