عودة إلى المدونة

مجتمع المعرفة، نشأته وتطوره، المفهوم والخصائص والأبعاد

حنان الحربي

اشرت في مقال سابق إلى اقتصاد المعرفة وتطرقت بشيء من التفاصيل إلى نشوء اقتصاد المعرفة

ومفهومه وبعض التعريفات الخاصَة به وسماته وعناصره ودوافع التحول نحو اقتصاد المعرفة وكذلك جهود المملكة العربية السعودية في التحول نحو اقتصاد المعرفة.

اواصل ما بدأته واكتب اليوم عن مجتمع المعرفة، والحقيقة أن المعرفة هي حصيلة عمل العقول الإنسانية عبر التاريخ، ومنذ فجر الإنسانيّة والمعرفة في حالة من التراكميّة والتزايد، بعضها يستمر وينمو ويتداوله البشر، وتنتقل من حضارة لأخرى ومن جيل لآخر، وبعضها يندثر نتيجة عدم الحاجة إليه، لكنه أبداً لا يضيع ويمكن إعادة احياؤه وخلق معرفة جديدة، وتعد المعرفة أداة لرقي الفرد وتقدمه وخطوة أساسية في اكتسابه للمهارات وتحديد الاتجاهات التي يرغب بها.

و مما لا يحتمل الشك أن كل مجتمع من المجتمعات ينتج المعرفة الخاصة به والتي تناسب متطلبات واقعه الاجتماعي والاقتصادي وبحسب درجة تقدمه كذلك، فالمعرفة في مجتمع معيّن قد تكون مُتقدمة عن مجتمع آخر، و هذا ما يُسمّى بنسبيّة المعرفة.

نشأة مجتمع المعرفة وتطوّره:

لقد مرَّ مفهوم مجتمع المعرفة بعدة مراحل من التطورات، جاءت في العديد من الدراسَات والنقاشات الأكاديميّة لعلماء الاقتصاد والاجتماع وغيرهم من المفكرين، فنجد الباحث لوزورن يوضح أن مجتمع المعرفة يمثل المرحلة الرابعة من مراحل تطور البشريَّة، حيث يرى أن المراحل التي سبقت تلك المرحلة تتمثل بالمراحل التالية: المرحلة الأولى تتمثل في الصيد وجني الثمار، وتتمثل المرحلة الثانية بالزراعة، بينما تتمثل المرحلة الثالثة في الصناعة، أما المرحلة الرابعة فهي في طور التشكل مع بروز وانتشار تكنولوجيا المعلومات، وتسمى هذه المرحلة بمرحلة المجتمع المعلوماتي.

أما الباحث حسن الزرو فيُجمل المراحل التي مرَّ بها المجتمع لحين بزوغ مجتمع المعرفة وبداية تأسيس أركانه بثلاث مراحل جوهريّة، هي:

المرحلة الأولى: مجتمع غني بالمعلومات (الفترة 1960-1979م) تعتبر هذه المرحلة الحاضنة المناسبة التي ترعرعت فبها البذرة الأولى لمجتمع مستحدث، والتي أسهمت فيما بعد بظهور مجتمع المعرفة، وأهم ما يميز هذه المرحلة بروز المعلومات والتقنيات الأوليّة لخزنها وتوظيفها وإنتاجها.

المرحلة الثانية: مجتمع مرتكز على المعلومات (1980- 1989م)، وقد برزت هذه المرحلة نظراً للنمو المتزايد في حجم المعلومات، والتطور الهائل في تقنياتها، وآليات توظيفها المتعددة. وتعدُّ العولمة الحجر الأساس الذي استندت عليه هذه المرحلة بعد أن أزالت الحدود الجغرافية والسياسية التقليديَّة، وأصبح المجال مفتوحاً أمام تدفق المعلومات ونقلها وتداولها في جميع بقاع الكرة الأرضيَّة. كما ظهر مبدأ التخصص بوصفه العنصر الأقوى تأثيرًا، والذي أفرز المزيد من الأدوات والمعدات المتخصصة في خدمة الأنشطة المعلوماتيَّة، أضف إلى ذلك سيادة مبدأ الترابطيَّة بعد طغيان شبكة الإنترنت على جميع الفضاءات المعلوماتيّة، مما أتاح الفرصة لتناقل البيانات والنصوص والصور والوسائط المتعددة بشتى أشكالها وصورها.

المرحلة الثالثة: مجتمع هيمنة المعلومات (1990_ يومنا هذا) أصبحت فيه عمليَّة إنتاج المعلومات ووسائطها المتعددة ونقلها واستخداماتها المتعددة رائدة الأنشطة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والصناعيَّة في المجتمع، وبات التعامل معها بوصفها منتجًا قائمًا بذاته، أو خدمة تسهم في العمليَّة الإنتاجيَّة والاستهلاكيَّة للمواد التي ينتجها المجتمع.

مفهوم مجتمع المعرفة:

يُعرف تقرير التنمية الإنسانية العربية (2002) م مفهوم مجتمع المعرفة بأنه “ذلك المجتمع الذي يقوم أساساً على نشر المعرفة وإنتاجها وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي: الاقتصاد والمجتمع المدني والسياسة والحياة الخاصة؛ وصولاً للارتقاء بالحالة الإنسانيَّة وإقامة التنمية الإنسانيَّة.

بينما يعرفه تقـرير الأسكوا (2005) م بأنه “مجتمع يتميز بعدد من الاتجاهات المترابطة فيما بينها منها مظاهر التقدم التي حققها هذا المجتمع في نشر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات واستخدامها، وزيادة تركيزه على الابتكار على الصعيدين المؤسسي والوطني، وبناء اقتصادات للخدمات التجاريَّة شديدة الاعتماد على المعرفة وإدارة المعارف، إضافة إلى التوجهات نحو العولمة، وإعادة بناء الهياكل الاقتصاديَّة.

ويعرفه القرني (2009) بأنه “ذلك المجتمع الذي تتعدد فيه مناهل العلم والمعرفة والثقافة، وتتكامل فيه منظومة التعليم مع جهود التنمية بما يُمكنه من التعليم والتعلم والتواصل والابتكار والتقدم في كافة مجالات الحياة من خلال استخدام التقنيَّة الرقميَّة، مما يجعله قادرًا على اكتساب وإنتاج ونشر المعرفة لخدمة التنمية.

ويرى محمود (2011 م) أن مجتمع المعرفة هو “مجموعة من البشر ذوي اهتمامات متقاربة، يحاولون الاستفادة من تجميع معرفتهم سويًّا بشأن المجالات التي يهتمون بها وخلال هذه العمليَّة يضيفون المزيد إلى هذه المعرفة، وهكذا فإن المعرفة هي الناتج العقلي والمـُجدي لعمليات الإدراك والتعلم والتفكير”.

وبناءً على التعريفات السابقة؛ فإني أرى أن مجتمع المعرفة بشكل عام هو “ذلك المجتمع الذي يتمتع أفراده بامتلاك أكبر قدر من المعلومات، ليس ذلك فحسب، بل قدرة أولئك الأفراد على نشر ما يمتلكونه من معلومات، وإنتاجها وتوظيفها في خدمة المجتمع، مستغلين الطفرة التقنيَّة الهائلة من أجل التقدم والرقي، وزيادة فرص التنمية وتحقيق الرفاهيّة الاجتماعيّة.

 

خصائص مجتمع المعرفة العامّة والتعليميّة:

لقد تحدث العديد من الباحثين والمفكرين عن خصائص مجتمع المعرفة، وتباينت تلك الخصائص من باحث إلى آخر، وكلٌّ حسب انتماءاته وخلفياته الأيدولوجيّة والفكريّة، ولكن ثمة اتفاق حول الخصائص الرئيسة لمجتمع المعرفة، ومن تلك الخصائص:

1- الابتكار فكلما استخدم العقل والتفكير أُنتجت معرفة جديدة.

2- التعليم حيث لابد من دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المناهج التعليميَّة وبرامج التعليم مدى الحياة.

3- البنية التحتيّة المبنيّة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

4- الثورة المعرفيّة الهائلة من خلال توظيف المعرفة وتطبيقاتها التكنولوجيَّة.

5- اعتبار المعرفة وتطبيقاتها هي المحك الرئيسي للتنافس وجودة التعليم.

6- يميز مجتمع المعرفة الحالي قصر الفترة الزمنيَّة الفاصلة بين ظهور الفكرة وتطبيقها.

7- الاهتمام بالبحث العلمي والذي يعد من أهم خصائص المجتمع المعرفي، حيث إن الدول الصناعيَّة المتقدمة تنتج ما نسبته (2,50% _3%) من ناتجها القومي على البحث العلمي، كما في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.

8- انتشار ثقافة التعليم الذاتي بين أفراده والتعلُّم مدى الحياة ويتقن أفراده فن الوصول إلى المعلومات وتوظيفها وإعادة إنتاجها. (قيطة ،2011، 26)

 

ومن الخصائص التعليمية:

المعرفة التخصصيّة: المعرفة لا تسمى معرفة إلا إذا كان لها طابع تطبيقي، وهو ما أسماه بيتر داركر “المعرفة التطبيقيَّة”، ولكي تكون ذات أثر إيجابي يجب أن تكون على درجة عالية من التخصص، أما المعرفة الحرة فلا تسمى معرفة، فالشخص المتعلم ضمن الفهم القديم ينظر إليه من منظور مجتمع المعرفة بأنه شخص محب للفنون، وليس شخصاً متعلماً، وبناءً على هذا الفهم للمعرفة يجب أن تتصف بأنها تخصصيَّة ذات مستوى عال.

منظمات التعلم: وتُعرَّف بأنها عبارة عن مجموعة من الأفراد يتفاعلون مع بعضهم ومع العالم الخارجي المحيط بهم، يعملون كفريقضمن مؤسسة يشعرون بالانتماء إليها، وفيها تتاح الفرص لاكتشاف المعرفة وإنتاجها وتطبيقها، كما يتصفون بأن لديهم القدرة والدافعيَّة للتعلم المستمر والانفتاح على الذاتيَّة.

العمل في فريق: لعل أهم مبررات إطلاق مصطلح العمل في فريق هو الدِراسَات الدوليَّة المقارنة ودراسات سوق العمل، إذ استخلص الأمريكيون فكرة العمل في فريق من تجربة اليابان في صناعة السيارات، كما دعم هذا الاستخلاص التقرير الذي نشرته وزارة العمل الأمريكيَّة في 1989 م والمعنون بـ “الاستثمار في الناس: إستراتيجيَّة لمواجهة أزمة القوى العاملة الأمريكيَّة” والذي خصص أحد فصوله لمناقشة دور التعليم في تحسين أداء القوى العاملة، ومما أكده ذلك الفصل هو أن الموظفين سيضطرون وبشكل متزايد إلى العمل في مجموعات متعاونة؛ لذلك حث التقرير مؤسسات التعليم على تعديل أساليب التعليم؛ لتتفق مع ما سيواجهه خريجيها في مواقع عملهم مستقبلًا.

الاستقصاء: ويتصف مجتمع المعرفة بأنه مجتمع منتج للمعرفة، ومستخدمٌ لها، ولا يمكن إنتاج المعرفة واستخدامها بدون توظيف الاستقصاء توظيفاً مُحكماً، وتتراكم هذه الملكة- إن صح القول- من خلال الفرص المتاحة لدراسة المشكلات والتحديات والصعوبات، وإيجاد حلول لها بعقليَّة منفتحة، وأيضًا من خلال تطوير ادارة البحوث في المؤسسات التعليميَّة.

التعليم المستمر: ذكر العديد من التقارير الاقتصاديَّة أن هناك استبدالاً للطريقة التقليديَّة في الدراسَة الجامعيَّة قبل الحصول على عمل بطريقة حديثة وهي التعلم مدى الحياة وتؤكد تلك التقارير أن هذه الطريقة ستصبح رديفة للتعليم النظامي، وتساعد المهنيين على تجديد معارفهم وتحديثها بصورة مستمرة.

 

أبعاد مجتمع المعرفة:

أصبح لمجتمع المعرفة العديد من الأبعاد المختلفة والمتشابكة التي ينبغي على كل مجتمع الاستفادة منها، وتسخيرها بطريقة تجعل منه مجتمعاً قادراً على الصمود في وجه التحديات والمنافسة، ومنها:

  • البعد الاقتصادي: إذ تعتبر المعلومة في مجتمع المعرفة هي السلعة أو الخدمة الأساسيّة والمصدر الرئيس للقيمة المضافة، وخلق فرص العمل، وترشيد الاقتصاد، وهذا يعني أن المجتمع الذي ينتج المعلومة ويستخدمها في مختلف شرايين اقتصاده ونشاطاته المختلفة هو المجتمع الذي يستطيع أن ينافس ويفرض نفسه.

 

  • البُعد الاجتماعي: وتتجلى صورة هذا البُعد من خلال سيادة درجة معينة من الثقافة المعلوماتيَّة في المجتمع وزيادة الوعي بتكنولوجيا المعلومات، وأهميَّة المعلومة ودورها في الحياة اليوميَّة للإنسان، والمجتمع هنا مطالب بتوفير الوسائط والمعلومات الضروريَّة من حيث الكمِّ والكيف ومعدل التجدد وسرعة التطوير للفرد، خاصة إذا ما علمنا أن التغيير سيصيب أسس العمل نفسها والفرد بالدرجة الأولى، ولذا سنشهد ولادة فاعل بشري جديد هو الإنسان الرقمي الذي ينتمي إلى عمال المعرفة الذين يُضيّقون الفجوة بين العمل الذهني والعمل اليدوي، إذ لا فاعليّة في العمل من غير معرفة قوامها التخصص.

 

  • البُعد التكنولوجي: ويتضح هذا البُعد من خلال انتشار وسيادة تكنولوجيا المعلومات وتطبيقها في مختلف مجالات الحياة، في المصنع أو المزرعة أو المكتب أو المدرسة، ويعني هذا ضرورة الاهتمام بالوسائط الإعلاميَّة والمعلوماتيَّة وتكييفها وتطويعها حسب الظروف الموضوعيَّة لكل مجتمع، وتوفير البنيَّة اللازمة من وسائل اتصال وتكنولوجيا الاتصالات، وجعلها في متناول الجميع.

 

  • البُعد الثقافي: تعد المعرفة جوهر مجتمع المعرفة، وينظر إليها على أنها وسيلة للتعرف على القيم الثقافيَّة للمعلومات، والاعتراف بها، مثل: الخصوصيَّة، واحترام الملكيَّة الفكريَّة والمذهبيَّة وقبول الاخر المختلف، وإعطاء أهميَّة قصوى للمعلومة والمعرفة، والاهتمام بالقدرات الإبداعيَّة للأشخاص، وتوفير إمكانيَّة حريّة التفكير والإبداع، كما تعني نشر وتعميم الوعي والثقافة في الحياة والممارسة اليوميّة للفرد والمؤسسة والمجتمع ككل.

 

وفي ضوء تلك الأبعاد يتبين لنا أن مجتمع المعرفة لا يقتصر على إنتاج المعرفة واستخدامها وتداولها، وإنما يحتاج إلى ثقافة تُقيّم وتحترم من ينتج تلك المعرفة ويوظفها في المجال الصحيح، مما يتطلب إيجاد بيئة ومحيط اجتماعي ثقافي يؤمن بالمعرفة ودورها في الحياة اليوميّة للفرد وللمجتمع.

للمزيد حول الموضوع : اقتصاد المعرفة

 

 

المراجع:

(1)  القرني، علي ( 2009 م ) . متطلبات التحول التربوي في مدارس المستقبل الثانوية بالمملكة العربية السعودية في ضوء تحديات اقتصاد المعرفة: تصور مقترح، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى ، مكة المكرمة ، المملكة العربية السعودية.

(2) محمود، محمد نائف ( 2011 م) . الاقتصاد المعرفي، ط 1، عمان، مكتبة الأكاديميون للنشر والتوزيع.

(3) نحو مجتمع متكامل قائم على المعرفة في الدول العربيَّة: الإستراتيجيات وطرائق التطبيق(2005م) الإسكوا، الأمم المتحدة، نيويورك. الولايات المتحدة الأمريكيَّة

(4) تقرير التنمية الإنسانيَّة العربيَّة (2003 م). نحو إقامة مجتمع المعرفة، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

(5) تقرير التنمية الانسانيَّة العربيَّة (2003 م). خلق الفرص للأجيال القادمة، برنامج الامم المتحدة الانمائي