عودة إلى المدونة

اقتصاد المعرفة

حنان الحربي

ماجستير في علم الاجتماع

نشوء اقتصاد المعرفة :

يستند ظهور الاقتصاد الحديث أو ما يعرف بـ “اقتصاد المعرفة” إلى الثورات العلمية الهامة وهي: ثورة الكمبيوتر وثورة الاتصالات والثورة المعلوماتية، هذه الثورات التي أصبحت معرفة جديدة بحد ذاتها فقد أخذت تدفع كل نواحي الحياة إلى التطور السريع، وكان النظام الاقتصادي أحد عناصر المنظومة الاجتماعية الذي استجاب لهذه الثورات واندمج فيها مُشكّلاً وإياها قوة هائلة ومُحركاً لا يكف عن الدوران.

فثورة التقنية والمعلومات تمد الاقتصاد بالسرعة واختراق الحواجز وتقليص المسافات وسهولة الحركة بينما يمدها الاقتصاد بالدعم المادي المناسب وتطوير بنيتها التحتية وتوسيع انتشارها ، كما أن ثورة الاتصالات قد حققت الفوائد نفسها للاقتصاد ومن ثم فقد عاد الاقتصاد ودعمها من جديد ووسع من انتشارها .

و سيكون المحرك الاقتصادي Economic Engine للاقتصاد العالمي الجديد مُكّون من صناعات الانفوميديا وهي الحوسبة والاتصالات والالكترونيات الاستهلاكية وهذة الصناعات هي أكبر الصناعات العالمية الآن وأكثرها ديناميكية ونموًا حيث يبلغ رأس مالها أكثر من 3 تريليونات دولار.

وسيكون عصر الأنفوميديا أعظم انطلاقة واضخم تعزيزًا على مدار التاريخ للاقتصاد العالمي، وسيكون المحرك للتكتلات الاقتصادية التجارية العظمى في القرن الواحد والعشرين. يقول ميتشو كاكو في كتابه “رؤية مستقبلية” لكي نُقدر الزيادة الملحوظة في قدرة الكمبيوتر من المهم أن نتذكر بأن قدرة الكمبيوتر قد ازدادت من عام 1950 م وحتى الآن 10 ملايين مرة وفي صميم هذا النمو الانفجاري يوجد قانون مور الذي ينص على (أن قدرة الكمبيوتر تتضاعف كل 18 شهر)، كما يؤكد كاكو على أن هناك قوتين رئيسيتين تعد من أكبر قوى العالم وهي قوانين الاقتصاد وقوانين العلوم الهندسية والفيزيائية والبرمجيات، ومع الازدياد الرأسي المستمر لقدرة الكمبيوتر فإن هذا الازدياد سيؤدي بدوره إلى ولادة صناعات جديدة بأكملها لا يوجد لها مثيل في السوق الحالية وعندما يصبح سعر شريحة الكمبيوتر حوالي بنسًا واحدًا فإن الحافز الاقتصادي يجعلها في كل مكان مثل المعدات والأثاث والسيارات، وفي حقيقة الأمر فإن الشركات التي لا تضع بعض شرائح الكمبيوتر في بضائعها ستكون في وضع تنافسي سيء.

إن المعارف العلمية في كافة العصور كانت على الأغلب هي المحرك الفعال للمعارف الاجتماعية والاقتصادية فاكتشاف المحرك البخاري (معرفة علمية) كان الدافع والحافز لتوسيع النشاط الاقتصادي وتغيير أسلوب الإنتاج وشكل الاقتصاد؛ وها هي قوانين التطور الجديدة مثل ثورة الكمبيوتر والاتصالات والمعلومات أيضا (معرفة علمية) تحرك المعارف الاجتماعية والاقتصادية وتقود المجتمعإالى المزيد من التقدم والرفاه الاقتصادي والاجتماعي.

مفهوم اقتصاد المعرفة :

أطلقت تسميات عديدة على اقتصاد المعرفة مثل: اقتصاد المعلومات، الاقتصاد المبني على المعرفة، الاقتصاد الرقمي، الاقتصاد الإلكتروني، الاقتصاد ما بعد الصناعي والاقتصاد الرمزي، وغيرها من المسميات التي تشير بصورة أو بأخرى إلى اقتصاد المعرفة. وهناك من يرادف بين اقتصاد المعرفة واقتصاد المعلومات ولكن من يقف على حقيقة هذين المصطلحين يتبين له أن هناك فرقًا نوعيًا أكثر من أنه فرق في الدرجة يكون أكثر انطباقًا على موقع الدول من اقتصاد المعلومات واقتصاد المعرفة؛ لأن الأول رغم أنه يُشكل حالة قائمة بذاتها في العديد من بلدان العالم الثالث فإنه يُشكل مرحلة للانتقال إلى اقتصاد المعرفة بدليل أن كلا الاقتصادين يتعايشان في بعض الدول بأشكال وأوزان مختلفة. وهناك أيضا من يُفرّق بين اقتصاد المعرفة والاقتصاد المبني على المعرفة بِحُجة أن الاخير يُمثّل مرحلة متقدمة لاقتصاد المعرفة لكون المعرفة تقوم بالدور الأكبر في تكوين الثروة؛ بل لم يعد ثمة حدودًا لدور المعرفة ويمنح مكانة خاصة لمعرفة والتقنية والعمل على تطبيقها في كافة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المختلفة في مجتمع يسمى مجتمع المعرفة.

وبطبيعة الحال تزخر أدبيات الفكر التنموي بتعريفات مهولة لاقتصاد المعرفة لدرجة يصعب على الباحث حصرها، ومن تلك التعريفات التي توّضح مفهومه:

تعريف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لاقتصاد المعرفة بأنه: نشر المعرفة وإنتاجها وتوظيفها بكفاية في جميع مجالات النشاط المجتمعي الاقتصادي والمجتمع المدني والسياسة والحياة الخاصة وصولاً لترقية الحالة الإنسانية باطراد.

وتُعرّفه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)بأنه: الاقتصاد المبني بشكل مباشر على إنتاج ونشر واستخدام المعارف والمعلومات في الأنشطة الإنتاجية والخدمية المختلفة على الهياكل الاقتصادية لدول مجموعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

بينما يُعرّفه البنك الدولي بأنه: الاقتصاد الذي يحقق استخدامًا فعّالاً للمعرفة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والذي يؤدي إلى استقطاب المعارف الأجنبية.

ويعرّفه القرني (2009) بأنه: الاقتصاد القائم على الاستثمار في رأس المال الفكري من خلال تطوير إصلاح منظومة التعليم والتدريب والبحث والتطوير في بيئة تقنية معلوماتية توظف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتدعم وتشجع اكتساب ونشر وإنتاج المعرفة في ظل نظام مُحكم من التقويم والمساءلة والمشاركة المجتمعية .

سماته وعناصره:

نظراً لاتجاه الاقتصاد العالمي أكثر فأكثر نحو الاقتصاد المعرفي الذي يعتمد أساسًا على تكنولوجيا المعلومات و تزايد الاهتمام بالمدخل المعرفي وإدراك أهمية المعرفة بوصفها مفتاح النمو الاقتصادي ودورها في التحول الكبير نحو الاقتصاد المعرفي فإنه لابد من التعرف على السمات والعناصر التي يتسم بها الاقتصاد المعرفي:

• اقتصاد كامل الانفتاح على الخارج والتدفق ولا توجد أي قيود أمامه والانطلاق فيه من المحلية إلى العالمية وآفاق التكامل العالمي لدرجة شيوع مصطلح القرية الكونية.

• الاستثمار في الموارد البشرية بوصفها رأس المال الفكري والمعرفي بالاعتماد على القوى المؤهلة والمتخصصة وتوظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصال بفاعلية عالية ومرونة.

• الانتقال من الإنتاج الضخم إلى الإنتاج المحدد والتحول من النمطية إلى التنوع في عمليات الإنتاج واعتماد التعليم والتدريب المستمرين وتفعيل عملية البحث والتطوير واعتماد الشراكة الاقتصادية أي العمل ضمن فريق.

• اقتصاد كامل التوظيف فلا يوجد لديه فائض ولا عاطل ولا مخزون راكد حيث يتم إنتاج المعرفة وتسويقها واستهلاكها في الوقت نفسه بالكامل.

• تنامي إحلال النقد الإلكتروني بدلاً من النقد الورقي خاصة في التجارة الإلكترونية والتعليم الالكتروني وغيرهما.

• توافر بنية مجتمعية داعمة لتسهيل الاتصال الفعال من حيث مجتمع يخلو من الأمية المعلوماتية وشبكة الإنترنت واقامة نظام اقتصادي ومؤسساتي يوفر السبل المحفزة باستخدام المعرفة الموجودة والجديدة.

• اقتصاد يعتمد على تكنولوجيا المعلومات التي أصبحت عاملًا في الإنتاج والإنتاجية وتوفير فرص العمل الحقيقية وزيادة القيمة المضافة والأرباح وزيادة الدخل القومي.

• لعل السمة المميزة لاقتصاد المعرفة هي أن نموه حلزوني للأعلى وليس خطيًا كما هو الحال في الاقتصاد التقليدي.

دوافع التحوّل نحو اقتصاد المعرفة:

• تنامي دور المعرفة كعنصر هام لمصادر الثروة ومولد رئيسي للقيم المضافة .

• العولمة حيث اصبحت الاسواق والمنتجات اكثر عالمية .

• ثورة المعلومات والمعرفة بحيث زاد اعتمادها في الانتاج ؛ فهناك ما يصل الى 70% من العمال في الاقتصاديات المتقدمة هم عمال معرفيون .

• ظهور رأس المال الفكري المبني على التعلم وتوليد المعرفة .

• التغير التكنولوجي السريع وانخفاض تكاليف النقل والاتصالات جعل من الاوفر اقتصادياَ اجراء تكامل بين العمليات المتباعدة جغرافياَ ونقل المنتجات والمكونات عبر ارجاء العالم بحثاً عن الكفاءة.

جهود المملكة في التحول نحو اقتصاد المعرفة:

تتمتع المملكة العربية السعودية بالعديد من المزايا التي تجعلها قادرة على اختصار المسافة في سبيل تحولها نحو الاقتصاد المعرفي، وقد حددت خطة التنمية العاشرة (2015 _2019 م) عددًا من الأهداف العامة من أجل التحول نحو الاقتصاد المعرفي وهي كما يلي:

• الإسراع في اعتماد الاستراتيجية الوطنية للتحول نحو المجتمع المعرفي وتحويلها إلى خطط خمسية.

• نشر ثقافة الاقتصاد المبني على المعرفة في المجتمع وتمكين الموارد البشرية منها.

• نشر الوعي ببرامج بناء مجتمع المعرفة وألياته من خلال الوسائل الإعلامية و ورش العمل.

• تقليص الفجوة المعرفية والرقمية بين مناطق المملكة وشرائح المجتمع المختلفة.

• استثمار نتائج البحوث العلمية في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية وتحويل المعرفة إلى ثروة.

• تحسين المحتوى المعرفي للسلع و الخدمات المنتجة في المملكة.

• تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في سلع وخدمات ذات محتوى معرفي وقيمة مضافة عالية.

• تعزيز مكانة المملكة إقليميا ودوليًا على صعيد الاقتصاد المبني على المعرفة ومتابعة مؤشرات آدائها في ذلك.

• تعزيز منظومة العلوم والتقنية وتمتين ترابطها مع كل القطاعات الإنتاجية والخدمية.

• تشجيع الدراسات والبحوث التي تسهم في التحول نحو مجتمع المعرفة.

• تحفيز الجامعات والمنشآت على الاستثمار في مجالات الابحاث والتطوير والابتكار.

• التوظيف الأمثل للاتصالات وتقنية المعلومات في كل القطاعات وخاصة في التعليم والتدريب وتعزيز البنية التحتية المعلوماتية.

ولأجل تحقيق هذه الأهداف دأبت المملكة على تحديد السياسات والاستراتيجيات وتنفيذ العديد من المشاريع التي تمهد للتوجه نحو الاقتصاد المبني على المعرفة ومنها المشاريع الاستثمارية التي تستهدف تنويع القاعدة الاقتصادية وتحقيق التنمية المتوازنة، و وضعت على عاتقها بعض القضايا التي تتعلق بتطوير التعليم والمناهج والتعليم المستمر وربط التعليم بالتنمية، وتعريب المعرفة وخصخصة التعليم وذلك لتنمية القدرات التحليلية وامتلاك المهارات العملية وتعزيز روح المبادرة وريادة الأعمال وتطوير منظومة التعليم في مختلف مراحلها.

و تنطلق الاستراتيجية الوطنية المستقبلية لبناء مجتمع المعرفة بما فيها الاقتصاد المبني على المعرفة من الرؤية التالية:

بحلول عام (1452هـ/2030 م )، تصبح المملكة مجتمعًا معرفيًا في ظل اقتصاد قائم على المعرفة مُزدهر متنوع المصادر والامكانات تقوده القدرات البشرية والقطاع الخاص ويوفر مستوىً معيشياً مرتفعاً ونوعية حياة كريمة وتتبوأ مكانةً مرموقة كدولة رائدة اقليمياً ودولياً”.

المراجع :

1. محمود ، محمد نائف ( 2011 م). الاقتصاد المعرفي ،ط 1 ، عمان ، مكتبة الاكاديميون للنشر والتوزيع.

2_تقرير المعرفة العربي ( 2009 م). نحو تواصل معرفي منتج ، برنامج الامم المتحدة الانمائي

3_ تقرير التنمية الانسانية العربية ( 2003 م) . نحو اقامة مجتمع المعرفة ، برنامج الامم المتحدة الانمائي

4_ تقرير التنمية الانسانية العربية (2003 م ) . خلق الفرص للاجيال القادمة ، برنامج الامم المتحدة الانمائي .

5_ محمد ، احمد علي الحاج ( 2014 م ) . اقتصاد المعرفة واتجاهات تطويره ، ط 1 ، عمان ، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة .

6_ القرني ، علي ( 2009 م ) . متطلبات التحول التربوي في مدارس المستقبل الثانوية بالمملكة العربية السعودية في ضوء تحديات اقتصاد المعرفة: تصور مقترح ، رسالة دكتوراه غير منشورة ، جامعة ام القرى ، مكة المكرمة ، المملكة العربية السعودية .